علي الهجويري
269
كشف المحجوب
الرسالة فلا بداية ولا نهاية لها ، الرسل رسل من الأزل إلى الأبد ، وكانوا قبل وجودهم أنبياء في حضرة علم اللّه . سئل أبو يزيد : ما تقول في حال الأنبياء ؟ فقال إنه بعيد على أن أراه وأن أتكلم عنه ، لا قدرة لنا على أن نتكلم عنهم وإذا تكلمنا عنهم لم نتكلم إلا بقدر نفوسنا . إن اللّه سبحانه وتعالى قد وضع إنكارهم وإثباتهم في درجة أكبر من أن يشاهدها العقل الإنسانى أو أن يصل إليها ولما كانت رتبة الأنبياء خفية عن نظر الإنسان ، فهكذا مرتبة الأنبياء محجوبة عن أن يحكم عليها الأولياء : قال أبو يزيد وهو حجة عصره رأيت أن سرى أسرى به إلى السماء ، فلم ينظر إلى أي شيء ولم يلتفت إلى جنة ولا إلى نار ، ولم يشتغل بهما . لأنه كان خالصا من دواعي البشرية والحجب فصرت طيرا فأخذت أطير في فضاء الألوهية فأشرت على ميدان الأزلية ورأيت فيه شجرة الأحدية فلما نظرت إلى نفسي وجدتنى كل ذلك فقلت : اللهم إني بكل إنيتى لا يمكنني أن أصل إليك ولكن لا يمكنى الفرار من إنيتى فما ذا أفعل فقال لي اللّه تعالى : يا أبا يزيد إنك تتخلص من إنيتك باتباعك لحبيبى محمد صلّى اللّه عليه وسلم اكتحل بتراب قدميه وتابعه دائما . هذا مقام يطول شرحه والصوفية يسمونه بمعراج أبى يزيد وكلمة معراج تعنى القرب ومعراج الرسل يكون بظاهرها وبأجسامهم أما معراج الأولياء فلا يكون إلا بباطنهم وفي سرهم ، وجسم النبي يشابه قلب الولي في صفائه وقربه إلى اللّه وهذه درجة عالية . والولي إذا غلب عليه حاله حتى يصير إلى السكر ، عرج من نفسه يسلم روحانيته ، واقترب إلى اللّه تعالى ، فإذا رجع إلى مقام صحوه تشكلت هذه المرائي في لوح خياله ، وبدأ يتحصل على العلم بها . لذلك فيوجد فرق بين الذي يؤخذ بشخصه ، وبين الذي يؤخذ بفكره .